ازدواجية المعايير.. مقرر أممي ينتقد موقف الاتحاد الأوروبي من غزة مقارنة بأوكرانيا

ازدواجية المعايير.. مقرر أممي ينتقد موقف الاتحاد الأوروبي من غزة مقارنة بأوكرانيا
قطاع غزة المدمر جراء الحرب

في الوقت الذي تتواصل فيه الانتهاكات الإسرائيلية واسعة النطاق بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى الاتحاد الأوروبي بسبب ما يوصف بازدواجية المعايير في تعاطيه مع الأزمات الدولية، فبينما تبنى الاتحاد مواقف صارمة وسريعة إزاء الحرب في أوكرانيا، بدا رد فعله إزاء ما يجري في غزة أقل حدة وتأثيرا، ما فتح الباب أمام تساؤلات أممية وقانونية حول التزامه بمبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي.

وبحسب ما نقلته وكالة الأناضول الجمعة، أكد المقرر الأممي المعني بالنظام الدولي جورج كاتروغالوس أن رد فعل الاتحاد الأوروبي تجاه ما يحدث في قطاع غزة لا يرقى إلى مستوى الموقف القوي الذي اتخذه حيال الحرب في أوكرانيا، وأوضح أن القتل واسع النطاق والدمار الشامل في غزة لم يقابلا بالإجراءات السياسية والاقتصادية نفسها التي سارع الاتحاد إلى اعتمادها ضد روسيا، معتبرا أن هذا التباين يبعث برسائل سلبية بشأن مصداقية النظام الدولي القائم على القواعد.

أرقام القتل بعد وقف إطلاق النار

وأشار كاتروغالوس إلى أن إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي لم يضع حدا فعليا لسقوط الضحايا، إذ واصل الجيش الإسرائيلي خروقاته، ما أسفر عن مقتل 492 فلسطينيا وإصابة 1356 آخرين خلال فترة التهدئة المعلنة، ورأى أن هذه الوقائع تعكس استخفافا واضحا بالاتفاقات الدولية وبالقرارات الأممية ذات الصلة.

وتعود جذور هذه المرحلة الدموية إلى الحرب التي بدأها الجيش الإسرائيلي بدعم أمريكي في 8 أكتوبر 2023 والتي وُصفت بأنها إبادة جماعية بحق سكان قطاع غزة، وأسفرت تلك الحرب عن استشهاد أكثر من 71000 فلسطيني وإصابة 171000 آخرين، إلى جانب دمار واسع طال نحو 90 في المئة من البنى التحتية المدنية، وقدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، في رقم يعكس حجم الكارثة التي لحقت بقطاع يقطنه نحو 2400000 نسمة.

معاقبة التضامن بدل حماية الضحايا

ويحذر كاتروغالوس من أن الخطر لا يكمن فقط في الصمت الأوروبي، بل في أن بعض الدول الأوروبية ذهبت إلى معاقبة أشكال التضامن مع الشعب الفلسطيني، ويرى أن هذا النهج يمثل تراجعا خطيرا عن القيم التي يدعي الاتحاد الأوروبي الدفاع عنها، ويقوض الثقة بالتزامه بحماية حقوق الإنسان خارج حدوده الجغرافية.

وفي تقييمه لمسار التهدئة في غزة، اعتبر المقرر الأممي أن استمرار العدوان الإسرائيلي رغم إعلان وقف إطلاق النار يعكس نمطا متكررا من تجاهل النظام القانوني الدولي، وأوضح أن مجلس الأمن وافق على الخطة الأمريكية المتعلقة بغزة، لكنه لم يمنح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفويضا مطلقا للتصرف دون ضوابط أو مساءلة.

مجلس السلام ودور بديل لمجلس الأمن

وفي هذا السياق، توقف كاتروغالوس عند ما يسمى مجلس السلام الذي أعلن ترامب تأسيسه في 15 يناير الجاري، وتم توقيع ميثاقه بعد أسبوع على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، واعتبر أن هذا المجلس يؤدي عمليا دورا أقرب إلى بديل جزئي عن مجلس الأمن، في ظل عجز الأخير عن اتخاذ قرارات ملزمة بسبب موازين القوى الدولية.

ورغم أن مجلس السلام ظهر في أعقاب الإبادة الإسرائيلية لقطاع غزة، فإن ميثاقه لم يتضمن أي إشارة إلى القطاع أو إلى معاناة سكانه، ويمنح المجلس ترامب صلاحيات واسعة مدى الحياة، تشمل حق النقض وتعيين الأعضاء، ما دفع مراقبين إلى اعتباره محاولة لتجاوز منظومة الأمم المتحدة وتقويض دورها المركزي في حفظ السلم والأمن الدوليين.

المساعدات الإنسانية تحت الحصار

ويشدد كاتروغالوس على أن الالتزام بالقانون الدولي يجب أن يكون كاملا وغير انتقائي، مؤكدا أن أولى الخطوات تتمثل في ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بشكل فوري ودون عوائق، لكنه أشار إلى أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس، حيث قررت إسرائيل منع 37 منظمة إغاثية من دخول القطاع، في خطوة وصفها بأنها انتهاك صارخ للمبادئ الإنسانية.

ولفت المقرر الأممي إلى أن المرحلة الحالية تشهد للمرة الأولى مؤشرات على توتر نسبي في العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، معربا عن عدم يقينه بشأن المسار الذي قد تتخذه هذه الخلافات، ومع ذلك، شدد على أن مستقبل غزة والقضية الفلسطينية لا ينبغي أن يُترك لقرار شخص واحد مهما كان موقعه السياسي.

وفي تقييمه للمشهد الدولي الأوسع، رأى كاتروغالوس أن سلوك الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تجاه القانون الدولي بات موضع نقاش متزايد، واعتبر أن تقاعس الاتحاد الأوروبي عن اتخاذ موقف حازم تجاه غزة يضعف المنظومة القانونية الدولية بأكملها، ويفتح الباب أمام تآكل مبدأ المساءلة.

قرار محكمة العدل الدولية

وذكّر كاتروغالوس بحكم بالغ الأهمية أصدرته محكمة العدل الدولية، أكدت فيه أن احتلال الأراضي الفلسطينية بحد ذاته غير قانوني، وأوضح أن هذا القرار يفرض على الدول التزاما واضحا بعدم التعامل مع الكيان الإسرائيلي طالما استمر الاحتلال والانتهاكات، معتبرا أن تجاهل هذا الحكم يقوض هيبة القضاء الدولي.

وأشار إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت خروج مظاهرات حاشدة في أوروبا والولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم، رفضا لما يجري في غزة، واعتبر أن الرأي العام بات أقرب من أي وقت مضى إلى قناعة بأن ما يحدث في القطاع يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، معربا عن تفاؤله بأن هذا الضغط الشعبي سيتحول مستقبلا إلى أفعال ملموسة من جانب الحكومات.

الحسابات السياسية داخل إسرائيل

وفي الشأن السياسي الإسرائيلي، رأى كاتروغالوس أن بنيامين نتنياهو يسعى إلى مواصلة العمليات العسكرية في غزة بدوافع سياسية داخلية مرتبطة بالانتخابات، مؤكدا أن تطبيق وقف إطلاق النار يعاني من نواقص خطيرة على أرض الواقع، ما يفاقم معاناة المدنيين.

وحول آفاق تحسن الوضع الإنساني، قال المقرر الأممي إنه لا يمتلك معطيات كافية للتنبؤ بزيادة حجم المساعدات التي ستصل إلى غزة في المرحلة المقبلة، لكنه شدد على أن الاكتفاء بالمراقبة لم يعد خيارا مقبولا، وأكد ضرورة الانتقال من الرصد إلى الفعل، ومن البيانات إلى الضغوط السياسية الحقيقية.

دعوة للدفاع عن القانون الدولي

وختم كاتروغالوس بالتأكيد على أن الضغط على الحكومات الغربية لتبني مواقف عادلة لا يهدف فقط إلى الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، بل إلى حماية القانون الدولي والشرعية الدولية نفسها، وحذر من أن تقويض هذه القواعد لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد النظام العالمي بأسره.

يأتي هذا الجدل في سياق تصاعد غير مسبوق في الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، وما رافقه من نقاش دولي واسع حول توصيف ما جرى وحدود المساءلة القانونية، ويعد الاتحاد الأوروبي من أبرز الفاعلين الدوليين المؤثرين سياسيا واقتصاديا، ما يجعل مواقفه موضع تدقيق متزايد من قبل المؤسسات الأممية ومنظمات حقوق الإنسان، وفي ظل أحكام صادرة عن محكمة العدل الدولية، وضغط شعبي متنام في العواصم الغربية، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة النظام الدولي على تطبيق قواعده بعدالة، بعيدا عن الانتقائية والاعتبارات السياسية الضيقة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية